آلام البغايا
تثاءبت في دلال وغنج وهي تزيح الغطاء عن جسد مرمري... تاركه ورائها جثه ممده بلا حراك ... تبسمت وهي تغمغم التاسع ... نظرت إليها في تشفي وأبتسامه تعانق دمعه أطلت من عينيها ... أرتدت ملابسها ... خطت إلي الطريق .. صافحت عيناها صور الدمار في كافة الأنحاء ... لمحت بعضهم يتجول حاملا سلاحه في صفاقه ... تبغضهم ... تتمني لو تغرز أظافرها في أعناقهم جميعا ... تبتسم في مراره حين يقتربوا ... جواز مرورها ... جسدها وتلك الأبتسامه التي تشي بالكثير... طول مدة مكوثهم في بلادها جعلهم عطشي ... تعميهم رغباتهم المحمومه... تضللهم فتنتها وجمالها ... لم تتغير كانت ولا زالت فتاة ليل .
عرجت في طريقها علي أحدي الحانات في محاوله لأخفاء وجهتها . خرجت بعد قليل قاصده بيت أحد افراد المقاومه . طرقت الباب عدة نقرات قبل أن ينفتح ويظهر أحد جنود الأحتلال بوجهه القبيح ... لطمها بقسوه ثم كبلها قبل أن يصطحبها خارجا ... لمحت رفيقها مقتولا في أحدي الزوايا قبل أن تغادر ...بعد تفتيش منزلها والعثور علي جثة رفيقهم مقتولا ... ألقيت في حجره مظلمه بعد أن اشبعت ضربا ...أنهمرت دموعها ألما وحزنا ... بقيت ليلتها مستيقظه قلقه لكل حركه خارج سجنها .. استسلمت لأفكارها .... سرحت بخيالها وهي تستعرض حياتها منذ أن وعت ما حولها وأستوت مهرة متمرده علي واقعها... مر شريط حياتها أمام عينيها وكأنه حدث بالأمس فقط..
لم تدع يوما أن ظروفها الصعبه دفعتها لهذا الطريق ... لقد اختارت طريقها بنفسها .. ربما تمردها المتآصل في تكوينها الأنثوي... جمالها اللافت .. وتهافت كل شباب بلدتها الصغيره لأقامة علاقه معها .. ربما ساعد هذا في تحديد ما تريد ... قسوة والدها وشدته جعلاها تلوز بالفرار ... حطت رحالها في بغداد .. ذابت في الزحام لفتره ... لكنها سرعان ما أثبتت تميزها .. وتفردها ... ذاعت شهرتها خاصة بين الأجانب المنتشرين في ربوع العاصمه ... عاشت حياة مرفهه .. ترفل في الثراء .. وتحظي بحماية قويه بعدما توطدت علاقاتها بأركان القوه ...
بين عشية وضحاها تبدلت الأمور ... لم تفهم يوما حرفا مما يقال عن السياسه ...ولم تتعب رأسها الصغير في فهم ما يدور أو سبب حرب بلادها ضد جيرانها .. لكن هذه المره شعرت بتغير كبير .. رحل كثيرا من أصدقائها .. وأنشغلت الصفوه من أركان الحكم عنها ... ظنت أن الأمر آني وستعود الأمور لحالها ... تسارعت الأحداث .. أزداد تجهم الأوجه ... وصارت لا تسمع الا حديث الحرب ... الكرامه ... الوطنيه ... حاولت أستيعاب الحدث ... ذكائها الفطري ساعدها ... شعرت بأن الوطن مهددا من قوي أكبر وأظلم .
أيقظتها أصوات المدافع عند الفجر بدت مدينتها وقد تحول ليلها إلي نهار من لهيب يتساقط بلا هواده ... شعرت بالخوف وأنفجرت دموعها الحبيسه سنيين ... مرت أشهرا .. هدأت الأمور قليلا .. تغيرت الأحوال ... وطنها محاصر .. وهي محاصره بالوحده والأحزان ... أنشغل الجميع عنها .. وضاقت بها الحياة ... سقطت مريضه وهي تشاهد وطنها يتحول إلي ثكنه عسكريه ... لا عطور او أدوات تجميل ... نحن محاصرون ...لا دواء... نحن محاصرون ...لا أمل ... نحن محاصرون ... أنهكها المرض .. أنفضت البقيه الباقيه من حولها ... تسولت لقمة العيش.. وتوسدت الأرصفه ...
عشر سنيين مرت ..أستيقظت علي صوت الأنفجارات من جديد .. أضاءت سماء بغداد فلم تعد تفرق بين ليل أو نهار .. أستجمعت قواها ... رأتهم يوزعون المؤن والسلاح علي الجميع .. دبت الحياة فيها من جديد ... لملمت أشلاء نفس كسيره ...داعبتها خيالات الماضي ... لمحها أحد كبار الضباط أثناء تجواله ..تذكرها .. تبسم في ألم .. كلنا جنود ... فداء لهذا الوطن المجيد ... تنقلت بين سرايا المقاومه الشعبيه ... شعرت بأن بعضا من أدميتها قد رد إليها ... ازداد لهيب القصف وقسوته.. وأزدادت صلابة المقاومه ... عادت الروح إليها... أيقنت بالنصر ...
كانت مصدقه لكل حرف يقوله القائد ... وكانت تنظر إلي أبواق الدعاية التي تبث ليل نهار علي أنها الواقع والحقيقه الصادقه ... وأنقلب الأمر بين عشية وضحاها ... وجدت المحتلين في أزقة بغداد وشوارعها ... رأت بأم عينيها الدبابات تسير في الشوارع بلا رادع ... بكت بحرقه .. أنتحبت علي الوطن الذي ضاع والأمل الذي خبا ... لكنها وجدت عزائها في أستمرار بعض جيوب المقاومه ... أنضمت أليهم وبدأت العمل من جديد ... ضيق جنود الأحتلال الخناق .. وجدت الحل ... لتستدرج أحد الجنود بعيدا .. ثم تقتله ... وجدت مساعده كبيره من رفاق الجهاد ... أزدادت خبره وثقه ... أصبحت تنفذ عمليتها لوحدها... فقط تطلب المساعده للتخلص من الجثث لتتمكن من قتل المزيد منهم.
كان هذا الأخير التاسع الذي تتمكن من أستدراجه وقتله بالسم في بيتها ... لم يشك أحد في أمرها ... كانت تمضي اليوم كله في الحانه وتتقرب من هذا وذاك حتي تتمكن من أحدهم .. تواعده وتصطحبه إلي بيتها ... مرقده الأخير قبل أن تجهز عليه ... كانت تشعر بنشوة بعد أن تخلص وطنها من أحد
الغزاة الباغين ... تشعر بأن وطنها مستباح ... كما هو جسدها .. ربما شعورها بالعار مما هي فيه دفعها للتطهر ... وكان هذا التطهر صعبا فأرادت أن تطهر الوطن لعلها تحقق بعض الطهر لذاتها ... أفاقت من شرودها علي أول خيط لضوء الفجر ...أخترق نافذه صغيره في أعلي الحائط ... مسحت دموعها المنسابه ... قررت الأ تظهر لهم ضعفها وآلامها ... حين فتح أحدهم الحجره عليها صباحا .. وجدها جالسه في كبرياء ... مد يده الي صدرها بصقت في وجهه وهي تلعنه ... توعدها وهو يهم بالخروج...
أفاقت متوجعه وهي تشعر بجسدها يؤلمها ... فتحت عينيها بصعوبه ... أعتدلت جالسه تشعر بالأم الدنيا تجتاح الجسد ... أبصرت بعين نصف مفتوحه من أثار التورم أمرأه في الزاويه المقابله... تبسمت في تودد... بادلتها أبتسامه مذعوره بعينين ذائغتين ... حين أمعنت النظر ... وجدت حطام أمرأه ... أثار التعذيب ... وذل العار يكسوها... لا تكف عن التلفت والبكاء ... سالتها هامسه أين نحن ... أجابت في ذعر أنه سجن بوغريب ... هكذا سمعتهم يتحدثون .... شعرت بالغثيان ... لكم سمعت عن فظائع ترتكب فيه ... من يدخله مفقود لا يعلم عنه شيئا.... سمعت صرخات مختلطه بضحكات هستيريه .. أنكمشت رفيقتها وأنتابتها نوبه بكاء ... تعرف أن دورها أت ...
أنتظرت اياما عانت الجوع والخوف...جاء دورها .. أنفتح الباب وبر منه جنديان بسحنتهم البغيضه ... اتجها صوبها.. قاما بجرها عبر الممر..صكت اسماعها أصوات الصراخ والانيين مختلطه بضحكات السكاري والشواذ من الجنود ... حين وصلت صدمها المشهد..نساء ورجال عراة...بعضهم مكبل والبعض تسيل الدماء من جسده ووجهه... البعض فقد القدره علي الوعي او استيعاب ما يحدث ....والبعض الأخر غطت ملامحه علامات الذهول والأنكسار....أقترب أحدهم منها سألها بلغة نصف عربيه أين باق رفاقك ....صمتت وهي تنظر اليه في أذدراء....أعاد السؤالوهو يركلها بقدمه ... حاولت التماسك ...خانتها دمعه سقطت من فرط الألم ...أشار لأحدهم أن يجردها من ثيابها ...صرخت وهي تنشب أظافرها في عنقه ...حاول التخلص ...هرع إليه زملائه .. لم يفلحو ا في تخليصه من بين يديها ... واتتها قوة غريبه.... أخرج سلاحه .. صوبه لرأسها .. لم تفلت يديها ... صراخ الجندي جعله يطلق النار .... سالت دمائها ... شعرت بالدماء تطهر بعضا منها ... سقطت وابتسامه تغطي الوجه الحزين....
تمت
eyyad
|